ابن أبي أصيبعة
262
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
اليونانية إلى اللغة العربية كتبا كثيرة إلا أن جل عنايته كانت مصروفة إلى نقل الكتب الحكمية مثل كتب أرسطوطاليس وغيره من الحكماء وأما حنين أبوه فكان مهتما بنقل الكتب الطبية وخصوصا كتب جالينوس حتى أنه في غالب الأمر لا يوجد شيء من كتب جالينوس إلا وهي بنقل حنين أو بإصلاحه لما نقل غيره فإن رؤي شيء منها وقد تفرد بنقله غيره من النقلة مثل أسطاث وابن بكس والبطريق وأبي سعيد عثمان الدمشقي وغيرهم فإنه لا يعتنى به ولا يرغب فيه كما يكون بنقل حنين وإصلاحه وإنما ذلك لفصاحته وبلاغته ولمعرفته أيضا بآراء جالينوس ولتمهره فيها ووجدت بعض الكتب الست عشرة لجالينوس وقد نقلها من الرومية إلى السريانية سرجس المتطبب ونقلها من السريانية إلى العربية موسى بن خالد الترجمان فلما طالعتها وتأملت ألفاظها تبين لي بين نقلها وبين الست عشرة التي هي نقل حنين تباين كثير وتفاوت بين وأين الألكن من البليغ والثرى من الثريا وكان حنين أيضا ماهرا في صناعة الكحل وله تصانيف مشهورة بالجودة فيها وحدثني الشيح شهاب الدين عبد الحق الصقلي النحوي أن حنين بن إسحاق كان يشتغل في العربية مع سيبويه وغيره ممن كانوا يشتغلون على الخليل بن أحمد وهذا لا يبعد فإنهما كانا في وقت واحد على زمان المأمون وإننا نجد في كلامه وفي نقله ما يدل على فصاحته وفضله في العربية وعلمه بها حتى أن له تصانيف في ذلك وقال سليمان بن حسان أن حنينا نهض من بغداد إلى أرض فارس وكان الخليل بن أحمد النحوي بأرض فارس فلزمه حنين حتى برع في لسان العرب وأدخل كتاب العين بغداد ثم اختير للترجمة وأؤتمن عليها وكان المتخير له المتوكل على الله ووضع له كتابا نحارير عالمين بالترجمة كانوا يترجمون ويتصفح ما ترجموا كاصطفن بن بسيل وموسى بن خالد الترجمان قال وخدم حنين بالطب المتوكل على الله وحظي في أيامه وكان يلبس زنارا وتعلم لسان اليونانيين بالإسكندرية وكان جليلا في ترجمته وهو الذي أوضح معاني كتب أبقراط وجالينوس ولخصها أحسن تلخيص وكشف ما استغلق منها وأوضح مشكلها وله تواليف نافعة مثقفة بارعه وعمد إلى كتب جالينوس فاحتذى فيها حذو الإسكندرانيين وصنعها على سبيل المسألة والجواب فأحسن في ذلك وقال حنين بن إسحاق عن نفسه أن جميع ما قد كان يملكه من الكتب ذهب حتى لم يبق عنده منها ولا كتاب واحد ذكر ذلك في مقالته في فهرست كتب جالينوس وقال أبو علي القباني كان حنين في كل يوم عند نزوله من الركوب يدخل الحمام فيصب عليه الماء